سيد قطب
3485
في ظلال القرآن
ومرد ذلك التفاوت وهذا الجزاء بالحسنى للجميع ، إلى ما يعلمه اللّه من تقدير أحوالهم ، وما وراء أعمالهم من عزائمهم ونواياهم . وخبرته تعالى بحقيقة ما يعملون : « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . . وهي لمسة موقظة للقلوب ، في عالم النوايا المضمرة وراء الأعمال الظاهرة ، وهي التي تناط بها القيم ، وترجح بها الموازين . . ثم مرحلة أخرى في استجاشة القلوب للإيمان والبذل ، ومؤثرات أخرى وراء تلك المؤثرات : « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ؟ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ . بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ . قِيلَ : ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً . فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ . يُنادُونَهُمْ : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ قالُوا : بَلى ! وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ، وَتَرَبَّصْتُمْ ، وَارْتَبْتُمْ ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ ، حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ ، وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ . فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » . . إنه هتاف موح مؤثر آسر . وهو يقول للعباد الفقراء المحاويج : « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ؟ » . . ومجرد تصور المسلم أنه هو الفقير الضئيل يقرض ربه ، كفيل بأن يطير به إلى البذل طيرانا ! إن الناس ليتسابقون عادة إلى إقراض الثري الملئ منهم - وهم كلهم فقراء - لأن السداد مضمون . ولهم الاعتزاز بأن أقرضوا ذلك الثرى الملئ ! فكيف إذا كانوا يقرضون الغني الحميد ؟ ! ولا يكلهم - سبحانه - إلى هذا الشعور وحده ، ولكن يعدهم على القرض الحسن ، الخالص له ، المجرد من كل تلفت إلى سواه . يعدهم عليه الضعف في المقدار ، والأجر الكريم بعد ذلك من عند اللّه : « فَيُضاعِفَهُ لَهُ ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ » . ثم يعرض لهم صفحة وضيئة من ذلك الأجر الكريم ، في مشهد من مشاهد اليوم الذي يكون فيه ذلك الأجر الكريم . « والمشهد هنا بإجماله وتفصيله جديد - بين المشاهد القرآنية - وهو من المشاهد التي يحييها الحوار بعد أن ترسم صورتها المتحركة رسما قويا . فنحن الذين نقرأ القرآن اللحظة نشهد مشهدا عجيبا . هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم . ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعا لطيفا هادئا . ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم . فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نورا يمتد منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها . . إنه النور الذي أخرجها اللّه إليه وبه من الظلمات . والذي أشرق في أرواحها فغلب على طينتها . أم لعله النور الذي خلق اللّه منه هذا الكون وما فيه ومن فيه « 1 » ، ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في ذواتها حقيقتها ! « ثم ها نحن أولاء نسمع ما يوجه إلى المؤمنين والمؤمنات من تكريم وتبشير : « بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي
--> ( 1 ) المعتقد الآن أن مادة الكون هي النور . وأنه مؤلف من ذرات . وأن الذرة في حقيقتها ليست سوى إشعاع . وقد تكون هذه النظرية أقرب النظريات إلى الصحة ، لأنها تسير على درب القرآن !